السيد كمال الحيدري
203
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
في قبال الظاهر والمجمل ، في حين إن التواتر إذا ما أُطلق فإنه يُراد به السند ، في قبال الصحيح والموثّق والضعيف ، ولكن الأهمّ من ذلك صورة التوافق بينهما ، فإن الحديث المتواتر - مثلًا - ينقسم إلى تواتر لفظي ومعنوي وإجمالي ، وهذا كلّه يصبّ في دائرة المتن ، وهو بأقسامه الثلاثة يسمّى نصّاً وفق الاصطلاح الأُصولي ، وهو ما كان مدلوله متعيّناً في أمر محدّد ولا يحتمل مدلولًا آخر بدلًا عنه ، ولكن التعيّن متفاوت من حيث الاعتماد ، فاللفظي مقدّم على المعنوي ، وكلاهما مُقدَّمان على الإجمالي جزماً . علاقة النصّ بالاجتهاد الاجتهاد هو بذل الوسع في فهم الدليل واستنباط الحكم الشرعي منه ، فلا اجتهاد خارج دوائر الأدلّة المعتبرة ، فإذا حصل نوع اختلاف في فهم الدليل فذلك مقبول ويندرج ضمن العملية الاجتهادية ، كما هو الحال في الخلاف الواقع بين أعلام الفريقين في آية الوضوء ، فأعلام مدرسة أهل البيت عليهم السلام قاطبةً يقولون بوجوب المسح على الرجلين ، في حين يرى مُعظم أعلام مدرسة الخلفاء بلزوم الغسل ، وكلاهما يستدلّ بنفس آية الوضوء ، وأما إذا وقع الاجتهاد في أمر خارج النصوص والأدلّة الشرعية فهو عمل بالرأي الشخصي ، فإذا كان هنالك نصّ عالج موضوع الحكم سُمّي ذلك بالاجتهاد في مقابل النصّ ، وإلا فهو عمل بالرأي لا غير ، ويُعتبر الاجتهاد في مقابل النصّ من أسوأ أنواع العمل بالرأي الباطل . ومن نماذج الاجتهاد في مقابل النصّ : ما وقع في موضوع الطلاق ، فقد نزل قرآن به ، وهو قوله تعالى : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . . . ( البقرة : 229 ) ، وبين الطلاقين رجعتان معلومتان ، فإن طلّقها بعد ذلك ثالثة حرمت عليه ؛ لقوله تعالى : فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . . . ( البقرة : 230 ) ، ولكن القوم قالوا بتحقّق الطلاق